﴿كتب عليكم الصيام﴾
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
قال الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187].
بيّن الله عز وجل في هذه الآية الواجبَ في الصوم في شهر رمضان.
وفي الآية الكريمة أمران مهمان:
الأمر الأول: تيسير الله تعالى على المسلمين ونسخ ما كان عليه الأمر قبل.
قال ابنُ كثير رحمه الله في تفسيره: «قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ} هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورَفْع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدُهم إنَّما يَحِلّ له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرُم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوَجَدُوا مِن ذلك مشقّةً كبيرة».
وقال النووي رحمه الله: «كان أول الإسلام يَحرُم على الصائم الأكل والشرب والجماع مِن حين ينام، أو يصلِّي العشاء الآخرة ، فأيهما وُجد أوّلًا حصل به التحريم ، ثمّ نُسخ ذلك ، وأبيح الجميع إلى طلوع الفجر سواء نام أم لا»([1]).
ومِن الحُجّة في ذلك حديث البراء رضي الله عنه قال: «كان أصحاب محمَّد إذا كان الرجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يُمسي، فنزلت هذه الآية: ﴿أحل لكم ليلة الصيام﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا ونزلت ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الاسود﴾([2]).
الأمر الثانـي: بيان الوقت الواجب صومه على المسلمين.
- فأما بالنسبة للشهر: فإنه مِن حين يُرى هلال شهر رمضان لا يزالون يَصُومون حتى يُرى هلال شوال، أو يتمّون العدة ثلاثين، لقوله ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا»([3]).
- وأما بالنسبة لليوم: فبيّنت الآية أنه يجب صوم نهار رمضان كلِّه ويبدأ بطلوع الفجر الصادق، وينتهي بغروب الشمس.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فيها بيان أول يوم الصيام.
وقد فسَّرها النبي ﷺ في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه بقوله: «إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ» متفق عليه.
وبقوله ﷺ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، وفي لفظ في صحيح البخاري عن ابن عمر: «وكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، لاَ يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ».
وفي صحيح مسلم 1094 عن سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا ﷺ يَقُولُ: «لَا يَغُرَّنَّ أَحَدَكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ مِنَ السَّحُورِ، وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ حَتَّى يَسْتَطِيرَ».
فلا عبرة بالفجر الأول أو الكاذب، وإنما العبرة بالفجر الصادق المستعرض، وفي لفظ لمسلم: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ -لِعَمُودِ الصُّبْحِ- حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا». وفي لفظ «لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا، حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا». وفي لفظ له: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ، وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ حَتَّى يَبْدُوَ الْفَجْرُ - أَوْ قَالَ - حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ».
وحاصل ذلك: أنَّ العبرة بالفجر المتبيّن باستعراضه في جهة المشرق عرضًا.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].
فيها بيان آخر يوم الصيام. وقد بيّن ذلك النبي ﷺ بقوله: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ، وَغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» متفق عليه([4]).
وهذه أمور متلازمة: غروب الشمس، وإقبال الليل، وإدبار النهار.
* ومن الناس مِن يخطئ في بداية الصوم، وذلك من أوجه:
أحدها: مَن يصوم يومَ الشك. وهو محرّم عند الجمهور، وبه أفتى الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ الألباني والشيخ مقبل رحمهم الله.
ثانيهما: مَن يُمسك قبل طلوع الفجر بزمن! احتياطًا للصوم كما يزعم.
وقد رغَّب النبي ﷺ في تأخير السحور، ووَردتْ الأدلة في ذلك([5]).
ثالثها: مَن يأكل وقد طلع الفجر ولا يبالي. وهذا حرام.
* ومن الناس من يخطئ في فطره من صومه، وذلك من وجهين:
أولهما: من يؤخر الإفطار إلى أن تظهر النجوم، فيتشبّه بالكفار، والنبي ﷺ قال: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» متفق عليه([6]).
وفي المسند أنَّ النبي ﷺ قال: «لا يَزَالُ الدّين ظاهِرًا ما عجَّل الناسُ الفِطْر، لأنَّ اليهودَ والنصارى يُؤخِّرون»([7]).
ثانيهما: مَن يفطر قبل أن تغربَ الشمسُ ولا يتحرَّى.
وقد أخرج ابن حبان من حديث أبي أمامة صُدي بن عَجلان رضي الله عنه في رؤيا النبي ﷺ أنه قال: «ثم انطلقَا بي فإذا أنا بقوم معلّقين بعراقيبهم، مشققة أشداقُهم، تسيل أشداقهم دمًا، فقلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تَحِلَّة صومهم»([8]). وهذا وعيد شديد للذي لا يبالي بصومه.
وبهذا البيان تعلم: أنَّ مَن أخَّر السحور إلى بعد طلوع الفجرفقد تلاعب بدينه، ومن قدَّمه جدًّا ثمَّ صام واعتقد لزوم الصوم والليل باق فقد تنطَّع. ومَن قدَّم الفطر قبل الغروب فقد ارتكب إثمًا عظيمًا وأفطر قبل تَحِلّة صومه. ومَن أخَّر الإفطار إلى اشتباك النجوم فقد أعظم على الرسول الفِرية بعدم البلاغ والبيان الكافي.
وإذا سمعتَ الترغيب في التعجيل بالإفطار والتأخير في السحور فهمْت: أنَّ المقصود: في الوقت. أي : تعجيل الإفطار أول وقته، وتأخير السحور أواخر وقته.
والله الموفق، ونسأله الإعانة على تمام الاتباع، وحسن العمل، وصلاح القصد. والحمد لله رب العالمين.